مجمع البحوث الاسلامية

482

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

الإحاطة واللّصوق بأبدانهم حتّى ذاقوا ألم العذاب ، ولم يضف إليهما عذابا آخر ، لأنّ الخوف والجوع يستلزمان غيرهما من أنواع البلايا والآفات من الموت والقتل والأسر والغارة ونحوها ، وأنّهما رأس الآفات كلّها ، وذيّلهما ب بِما كانُوا يَصْنَعُونَ إعلاما بسبب العذاب ، وهو إفراطهم وسعيهم الأكيد في العصيان والإنكار والكفران المفهوم من ( يصنعون ) فالصّنع عمل عن خبرة وسعي ، وهو آكد من ( يعملون ) . لاحظ « ص ن ع » فشدّة العذاب فيها موافقة لعظم العصيان والطّغيان . ثالثها : قدّم « الخوف » على « الجوع » في ( 2 ) وقدّم « الجوع » عليه في ( 3 ) . أمّا وجه تقديم « الخوف » في ( 2 ) - ولم يتعرّضوا له - لأنّها من سورة البقرة الّتي نزلت في بدء الهجرة - وباقي الآيات مكّيّة - وأكبر بليّة كانت تهدّد المسلمين يوم ذاك هو خوفهم من هجوم الكفّار عليهم ، ولا سيّما من مشركي مكّة الّذين طال العداء بينهم وبين المسلمين حتّى أجبروهم على الخروج منها ، والهجرة إلى غيرها ، فأنذرهم اللّه بهذه البليّة في بدء هجرتهم ليستعدّوا لها ويصبروا عليها ، فقدّم ما هو أكبر همومهم ، ثمّ تلاه « الجوع » لأنّه أثر الهجوم وسلب الأمن وغلبة القحط النّاشئ عنه . وتفسيرها بهذا النّهج يناسب ما قبلها يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ، وكذلك بعدها : وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ . . . وتفسير « الجوع » ب « القحط » عن بعضهم - تعبيرا بالمسبّب عن السّبب ، كما أنّ الخوف مسبّب عن فقدان الأمن - يناسبه ، لو لم يصرّحوا بالسّنة والمجاعة والجدب النّاشئة عن انعدام المطر غالبا . على أنّ المهاجرين لم يكن لهم مال ولا معاش حين هاجروا فغلب عليهم الجوع حتّى أنّ النّبيّ عليه السّلام كان يشدّ الحجر على بطنه ، ولتشاغلهم بالجهاد في سبيل اللّه عن المعاش . ومع ذلك كلّه كان الجوع همّهم الثّاني بعد الخوف ، وتلاه سائر همومهم الطّبيعيّة الّتي كانت ناشئة عن همّهم الأوّل غالبا ، وهو الخوف من أعدائهم . وأمّا وجه تقديم « الجوع » في ( 3 ) فقد تعرّضوا له ، وهو مقارنته ومناسبته لما قبلها في كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ حيث قدّم فيها « الأمن » . وتلاه « الرّزق » فقدّم « الجوع » عذابا ليقارن « الرّزق » مع أنّ اللّفّ والنّشر المرتّب اقتضى تقديم « الخوف » على « الرّجوع » ، فهي نظير ( 1 ) فلاحظ . 4 - قدّم « الجوع » في ( 5 ) لأنّها وصف لقريش - أهل مكّة وهي بلد قفر - فكان الجوع أكبر همّهم ، وتلاه همّ الخوف وكلا الأمرين كان يهدّدهم ، ولم يصبهم رحمة من اللّه وتلبية لدعاء أبيهم إبراهيم عليه السّلام : وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ إبراهيم : 37 ، و يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ القصص : 57 : وفيها بحوث : أ - قورن كلّ منهما بما يعالجه فقورن ( جوع ) ب ( أطعمهم ) ، و ( خوف ) ب ( امنهم ) تجسيما للرّحمة ،